الطلاق

تضاعف معدل الطلاق في العالم منذ ستينيات القرن الماضي ثلاث مرات . ففي مدينة باريس هناك زيجة من كل اثنتين تنتهي بالطلاق . وقلة هم الأشخاص الذين يوافقون اليوم في الغرب على إدراج شرط حتى يفزق الموت بينكما ، في عقد الزواج . لقد بات الشباب أكثر تشكيكاً وحذراً . فلسان حالهم يقول ، لتجزب ، ثم نرى لاحقاً .

 لماذا يتزايد معدل الطلاق ؟

من بين العوامل الكثيرة التي تفسر هذه الظاهرة ، هناك عاملان أساسيان تجدر الإشارة إليهما : – — الاستقلال الوظيفي والاجتماعي الذي حصلت عليه النساء العاملات . فلم تعد المرأة مجبرة على احتمال علاقة زوجية تعسة . لذلك غالباً ما تأخذ المرأة المبادرة إلى الطلاق .

– عدم نضج الكثير من الأزواج ، ما يحول دون قدرتهم على مواجهة مشكلات الزواج .

إشارات الإنذار الأولى :

تنطلق إشارات الإنذار بشكل عام منذ اللقاءات الأولى . ولكن الشريكين يفضلان عادةً تجاهلها والاعتقاد بأن الوقت كفيل بتبديدها . ينبغي على الطرفين أن يتقيدا بشروط لعبة التواصل بينهما التي تفرض نفسها منذ بداية حياتهما معاً وتفضح ميولهما اللاشعورية المتنافرة . هكذا فإن سلوكاً ما أو موقفاً لأحد الشريكين ، كان يبدو عادياً ومألوفاً فى المرحلة السابقة ، إذا به يصبح ذات يوم سلوكاً غير محتمل في نظر الآخر ، وقد ينعت الشريك بصفات مستجدة ( مثل الأنانية ، عدم الإخلاص ، التمييز الجنسي . . . الخ ) وتنتصب صورته حائلاً دون أي تواصل أو تفاهم حقيقي لا شك أن هذا الخلل أو التآكل في العلاقة الزوجية قد بدأ منذ سنوات ، وما الحادث الذي يعتبر سخيفاً نظراً للأزمات التي مرا بها سابقاً ، سوى فتيل صغير أشعل ركام التناقضات السابقة وأظهر الخلل الكامن.

أثناء فترة الحب يكون هناك تباين في درجة تركيز كل من الطرفين على الآخر ، ولكنهما يظلان سائرين في اتجاه واحد أو في خطين متحاذيين ومتوازيين . عندما يحدث النفور يسير كل واحد في اتجاه ، ويحمل موقفا مختلفاً : من جهة أولى هناك الطرف الذي لم يعد يحب ( أي الطرف الكاره أو الافر ) ، وفي الجهة الأخرى هناك الطرف المهجور .

الطرف الكاره

أي الطرف الذي يسعى إلى الطلاق يأخذ بشكل عام موقفاً معتدلاً ، أو يصيب موقفه الكاره في قالب من التهذيب البارد أو السخرية اللاذعة . ولكنه في الوقت نفسه يبقى واضعاً هدفه نصب عينه ، وهو التخلص من هذا الرباط الذي يكتم أنفاسه . وأمام ما يترتب على الطلاق من أذى للطرف الآخر ، فإن الطرف الساعي إليه يشعر بشيء من الذنب ( تختلف درجة هذا الشعور تبعاً لتركيب الشخصية والأضرار المترتبة ) ويحاول المفاوضة هكذا نراه يقترح على الطرف الآخر ( استمرار الصداقة بعد الطلاق ) ، ناسياً أنه بعد الطلاق من الصعب جداً الانتقال بالعلاقة من درجة الحب والزوجية إلى الدرجة التي تليها مباشرة وهى الصداقة .

كذلك يشعر الطرف الساعي إلى الطلاق بحاجة دائمة إلى تبرير موقفه أمام الآخرين وأمام نفسه ، فيلجأ إلى مبررات واهية وأساليب ملتوية .

الطرف المهجور

يكون ألم هذا الطرف ( المهجور ) شديداً بمقدار ما يشعر أنه كان مخدوعاً ، أي أن الأمور كانت تسير في اتجاه الأزمة والانفصال من دون علمه . فجأة يجد نفسه أمام حقيقة مؤلمة لم يكن ليتوقعها أو يحسب الها حساباً .

إن شخصية هذا الطرف ، وما يحمله من رواسب طفولية ، هي التي تتحكم بردة فعله وقدرته على تجاوز الصدمة .

المراحل الثلاث لتطور الأزمة العاطفية

1- مرحلة الانكفاء

ليس الانكفاء هنا ارتداداً إلى الماضي بمقدار ما هو هروب من الواقع المؤلم . لذلك نرى الطرف المهمل يعاني من أرق شديد وفقد الشهية للطعام ، أو بالعكس ، نراه يصاب بشراهة مرضية تعويضاً عما يعانيه من آلام نفسية . إنه يرفض اللجوء إلى سكينة الحلم لئلا يفقد شيئاً من يقظته وتحفزه ، الكأنه يخشى أن يستفيد الطرف الآخر من هذه « الغفوة » . كذلك نراه يمر بحالة من السوداوية وفقد الارتباط بأي شىء ، وقد يعاوده إحساس أوإنسان شديد بالغيرة على نحو طفولي بحيث يبذل كل ما في وسعه لدفع الشريك إلى الهرب منه فيما هو في قرارة نفسه يريد الاحتفاظ به . وفي كثير من الحالات يصاب الطرف المهجور بالاكتئاب ، فيلجأ إلى الطبيب الذي يسعفه ببعض الأدوية المفيدة لمثل هذه الحالة .

إن مثل هذا السلوك لا يصلح شيئاً ، بل يزيد الأمور تعقيداً . فبدلاً من استعادة حب الشخص الذي هجر ، نجد هذا الأخير يزداد تصميماً على قراره بالابتعاد عن وضع غير مريح . في الوقت نفسه ، وفي ردة فعل دفاعية ، نجد الطرف المهجور يهرب من مواجهة الحقيقة . إنه يبذل كل ما في وسعه تحت وطأة اليأس ، لاستبعاد وإنكار ما قد أصبح واضحاً وبديهياً . لذلك نجده تعساً ومنهكاً نفسياً وجسدياً ويتعلق بأي تفسير أو تأويل من شأنه أن يُبقي لديه أملاً في عودة الشريك الخائن

2- مرحلة العدوانية

يأتي وقت لا يعود فيه مجال لإنكار الواقع ، ويصبح الطرف المهجور قادراً على استيعاب الحقيقة ، أو جزء منها على الأقل . من هنا تدخل الأزمة في طور . صور الشريك وكل ما في المنزل يذكره بأنه أصبح وحيداً . ويشعر رجديد بحرج عميق في كرامته أو نرجسيته . عندئذ يتولد لديه شعور عدائي ضد الطرف « الخائن » ويشرع في تحطيم رمزي لكل ما يمت إليه بصلة . وقد تصل به الأمور ، إذا اصطدم بعائق يعجز عن تخطيه ، إلى وضع أفكاره موضع التنفيذ بصورة لا يتوقعها هو نفسه : محاولة قتل الشريك أو الانتحار . التفكير في الانتحار في هذه الحالة هو نوع من تحويل الكراهية والعدوانية نحو الذات .

بعض النصائح

يأخذ المعالج النفسي على عاتقه مهمة معالجة الصدمة والجرح العميق من خلال مساعدة المريض على استعادة ثقته بنفسه . بالإضافة إلى ذلك هناك بعض الأدوية المهدئة والممانعة لإفراز مادة Monoxydase المؤكسدة المساعدة على طرد الحزن والاكتئاب الناجمين عن فشل تجربة الحب والزواج . هذه العقاقير تقوم بتعويض الجسم عن نقص في مادتي الأندورفين endorphine والسيروتونين Serotonines . وقد أثبتت علماء الكيمياء الإحيائية أن الحزن الناجم عن فشل الحب يولد حالة من « النقص والعوز » شبيهة بتلك الحالة التي يولدها منع المخدر عن المدمن .

3- مرحلة التخلي والنسيان

في بداية هذه المرحلة يعيش الطرف المهجور على ذكريات الأيام السعيدة الماضية في حياته الزوجية ، وكأن الاحتفاظ بهذه الذكريات من شأنه أن يعيد الماضى السعيد . ولكنه سرعان ما يكتشف صعوبة هذا الأمر ، فيأخذ فى تعزية نفسه بآلام الآخرين وكل التعساء فى هذا العالم . في الوقت عينه يمر بأوقات من الهدوء تترك لديه أملاً بإمكانية الشفاء والخلاص فى المستقبل ، وإن كان بعيداً . من هنا يقبل على عمله ( وظيفته ) وينشغل بتدبير منزله الجديد . هذه الأمور تسليه وتشغله عن التفكير بأزمته . تمر أسابيع ينسى فيها صورة الشريك « الخائن » . لم يعد في حاجة إلى جهد كبير للنسيان أو لطرد إحساسه بالوحدة من خلال اهتمامات تافهة . ويدرك أنه قد اصبح في حال أفضل عندما يجد نفسه قادراً على استحضار صورة الآخر من دون حقد أو ضغينة . إن حبه السابق كان مشوباً بالعدائية ، أما كرهه الحالى فمشوب بشيء من الحنان . ويأخذ بعقلنة آلامه والتخفيف من قيمة علاقته الزوجية السابقة ، وهذا دليل على تماثله للشفاء .

 

 

 

 

 

 

 

شاهد أيضاً

اضطرابات الدورة الشهرية

إن آلية الدورة الشهرية شديدة التعقيد والهشاشة، لذلك تتعرض الاضطرابات كثيرة، أهمها انقطاع الحيض هذه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!