المراهقة : الانقلاب الكبير

المراهقة مرحلة مليئة بالأحداث المثيرة ، تمتد على ثماني أو تسع سنوات لدى المراهق ، وقد تزيد على ذلك . وهذا يعني بوضوح أننا لا نستطيع تلخيص المراهقة بالتغيرات الجسدية التي ترافقها . في البداية ، يجب التمييز بين المراهقة والبلوغ . فالبلوغ مرحلة فيزيولوجية تعني أن الشخص قد أصبح والإنجاب فهي قادراً على التناسل أما المراهقة ظاهرة نفسية ـ اجتماعية تختلف علاماتها وتجلياتها لدى الشخص تبعا العصر والبيئة الاجتماعية .

تهيئة الفتيات والفتيان لمواجهة مرحلة المراهقة

لسنا فى حاجة إلى مزيد من التأكيد على أهمية تحضير الفتيات والفتيان للتعامل مع مرحلة المراهقة . إن توعية المراهق على المشكلات التى سوف يواجهها ، لا سيما إذا أتت هذه التوعية عن طريق والده الذي يشترك معه في الجنس ، من شأنها أن تجعل المراهق أكثر تفهماً وقبولاً للتغيرات التي ستطرأ عليه . هناك أمهات كثيرات لا يتجرأن حتى الآن على التحدث بحرية مع بناتهن عن الحيض . فهذا الموضوع غالباً ما يكون مثقلاً بالأوهام والمخاوف والتشويش ، وصولاً إلى الشعور بالذنب .

من واجب الام إشعار ابنتها باقتراب فترة الحيض ، وعليها أن تفهمها أن هذا الأمر ليس إلا دليلا على النضج والتوازن الفيزيولوجي .

سن الحيض

يختلف سن الحيض من فتاة إلى أخرى . بعض الفتيات يحضرن فى التاسعة من العمر ، وبعضهن الاخر في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة . ثمة عوامل مختلفة تتحكم بهذه الظاهرة ، مثل الوراثة والتغذية والسمنة … وعلى أي حال فإن موعد الحيض الأول لدى الفتيات في مطلع القرن الحادي والعشرين هو فى سن 12- 13سنة ، مقابل 14-15 سنة قبل قرن .

 

تتركز مشاكل البلوغ على مسألتين أساسيتين :

1- التصور الجسدي

ونعني به التصور النفسي لكل شخص عن جسمه . على الشخص الذي بلغ أن يتقبل الصورة الجديدة لجسمه . وهذا التقبل هو الطريقة الوحيدة التي تتيح له التكيف مع نفسه ومع الاخرين . فلكي يستطيع البالغ أن يحب الآخرين ، عليه أولاً أن يتعلم كيف يتقبل نفسه ويحبها . فى هذه الأثناء يكتشف الأهل بلوغ ابنهم ( ابنتهم ) ويرصدون بقلق التغيرات التي تطرأ على ملامحه وشكله . كذلك يلاحظ الفتى البالغ نمو الشعر على جسده ، كما تلاحظ الفتاة بروز نهديها ، ويلاحظان معا تغير مظهرهما الخارجي ، الأمر الذى يثير قلقهما . وقد يستبد القلق ببعض المراهقين ويتملكه شعور بأن هذه التغيرات الشكلية ما هي إلا تشويهات جسدية ، فيذهب إلى الطبيب .

عندما يذهب المراهق إلى الطبيب لمعالجة حب الشباب ، أو ليشكو مما يبدو له « خللاً » فى نمو أنفه أو شعره ، أو تشويشاً في بصره ( وغالبا ما تكون هذه الأمور وهمية ) … على الطبيب في مثل هذه الأحوال أن يطمئن المراهق إلى وضعه الطبيعي ، كما عليه ألا ينسى بأن هذه المشكلات العادية المألوفة هى مهمة ومقلقة بالنسبة للمراهق ، ومن شأنها أن تؤثر على اندماجه في محيطه العائلي والمدرسي والاجتماعي. حب الشباب

تبط ظهور حب الشباب بالتغيرات الهورمونية ، وهو يصيب المراهقين والمراهقات بنسبة واحد من ثلاثة . إن حب الشباب لا يدل في حال من الأحوال على عدم النظافة . ولكن استعمال مواد شديدة التقشير ( Peeling ) أو غير ملائمة لبشرة الوجه من شأنه مضاعفة البثور . تتوفر اليوم علاجات ناجعة تضع حدا لهذه الظاهرة التى يعتبرها المراهقون (كارثة)! .

 

2- مسألة النضج الجنسي

فى هذه المرحلة تكون الغريزة الجنسية قوية جدا ، وتبلغ حدّها الأقصى ما بين السادسة عشر والثامنة عشر من العمر . والواقع أن الغريزة الجنسية لدى المراهق في مجتمعاتنا المعاصرة أخذت تظهر في وقت مبكر وعلى نحو أكثر  تطلباً .

يمكن القول إذاً ، بأن هذا التوتر الجنسي – الناسلي ، الذي غالباً ما يعبر عن نفسه بالإثارة الذاتية ، هو أحد محاور مرحلة البلوغ .

وفي هذه الفترة يجد المراهق نفسه ، وللمرة الأولى ، مضطراً لمواجهة الواقع ، ومقابلة أحلامه وطموحاته ومثالاته مع هذا الواقع . إنه يدخل في سن الخيارات وبالتالي في سن الرفض . فعليه أن يتقبل صورته الجسدية أو يكيّفها حسب اختياره . وهنا غالباً ما يدخل المراهق أو المراهقة في صراع ما بين مظهره والمقاييس والمعايير الجمالية التي تفرضها وسائل الإعلام.

لقد دقت ساعة الحقيقة : ما هي الطموحات والميول العاطفية أو الفكرية أو الفنية أو الرياضية التي يمكنه تحقيقها ، وأي منها يجب صرف النظر عنه ؟

هكذا تنطلق مرحلة المراهقة فى محاولة لتحقيق شخصية وهوية مميزتين ، ولذلك يقال إن المراهقة تشبه خزانة الشخصيات يدخلها المراهق ليخرج منها بشخصية مميزة .

ثلاث عمليات نفسية يعيشها المراهق خلال مرحلة المراهقة ، وهي : توكيد الذات أو إثباتها ، المعارضة ، والتشبه بالآخر .

أولا : إثبات الذات : رأينا في الفصل السابق أن هذه العملية تفترض أن يتقبل المراهق صورته الجسدية وجنسه . إن إرادة إثبات الذات تظهر من خلال استخدام المراهق التفكير المجرد والاستبطان(1)على نحو يعتبره الكبار ( الراشدون ) تطرفا ومبالغة . فالنقاشات الفلسفية والماورائية تشد اهتمام المراهقين ، رغبة منهم في استيعاب وفهم القضايا الإنسانية الكبرى .

إن عملية الاستبطان تساعد المراهق على معرفة ذاته فى العمق ، مثلما تعرّفه المرآة على صورة جسده . إنها تثير نرجسيته(2) وتشبعها . ومن خلال عملية الاستيطان بهذه يستطيع المراهق أن يتصور موقعه فى المستقبل ، أو أن يعود إلى ماضيه الذي يعتبره مستودعا خاصاً سرياً ، أو أن يهرب من حاضره المخيب للآمال . فتتكاثر الاحلام ، وأحلام اليقظة أو الحب، التي تعبر عن رغبات دفينة ومكبوتة . ومن خلال هذه الأحلام يحاول المراهق إثبات فرادته وتميزه ، أو يحاول التعويض عن توازن مفقود وحرمان عاطفى ، فتكثر رغباته بشكل غير محدود .

هذه الأحلام لا تخلو من بعض الاخطار . فهى غالباً ما تقوّي إحساس المراهق بالوحدة ، وبأنه غير مفهوم من قبل الآخرين ، فينغلق على نفسه ويرتاح إلى عزلته . وقد يؤدى به ذلك إلى كره الواقع والرغبة في التمرد عليه . واللجوء إلى ( اجنة وهمية ) توفرها له المخدرات .

هذا لا يعنى أن إثبات الذات محكوم دائماً بسلوك طريق محفوفة بالأخطار . فهناك طريقة أخرى للقيام بذلك ، وهي الانخراط في وضع اجتماعي .

ثانيا : المعارضة : من بين المجالات المختلفة التي تشكل عالم المراهق ، هناك المجال العائلي الذي يفضل المراهق أن يعبر فيه عن نزعته الاعتراضية . كخطوة أولى يحاول أن يحدد نفسه وكيانه فى هذا المجال ، فيلجأ إلى معارضة المبادىء العائلية بشكل منهجى وبأساليب فجة عدائية . يذكر هنا أن الموقف المتفهم للأهل والعلاقة الجيدة في المرحلة السابقة من شأنهما التخفيف من حدّة المعارضة . الشخصية الهامشية للمراهق لا ترضى عموماً بالحلول الوسط والتدابير المؤقتة . فهى تطلب الحرية والاستقلال الكاملين : حرية اتخاذ القرارات ، اختار الأصدقاء وبرامج التلفزيون ، وحرية الحياة الخاصة والخروج ليلا . كما تطلب الاستقلال الاقتصادي ، وترفض القيود التي تفرضها العائلة والمجتمع.

 ثالثا : التماهى أو التماثل  dentification : ما إن يبدأ المراهق بالتشكيك فى القيم العائلية حتى يصبح بحاجة إلى نماذج أخرى للتشبه بها . من الصعوبة بمكان ، بل من التحديات الكبرى ، أن يستطيع المراهق صوغ شخصيته وهويته الخاصة بمعزل عن مثال يقتدي به، في ظل التشويش الذهني بشأن الأدوار التى عليه أن يؤديها .

إن المجلات الأسبوعية والسينما والتلفزيون والقراءات الخاصة تزوّد المراهق بالنماذج والمعايير في هذا الشأن . فقد أصبح المجتمع شديد التأثر بوسائل الإعلام ، وهو يفرض مقاييسه على الجيل الصاعد من الشباب ، فنرى هؤلاء يسعون إلى التماثل (التماهي) مع هذه الشخصية أو تلك مما تطرحه وسائل الإعلام والإعلان . كذلك يطبع المجتمع بطابعه الخاص مختلف المجموعات الشبابية ، سواء فى الفرق الرياضية أو المجموعات الشللية .

هكذا ينتقل المراهق من عملية تماثل إلى أخرى ، إلى أن يتوصل بعد جهد ومعاناة لاكتشاف طريقه الخاص من خلال تسوية صعبة بين المثال والواقع .

إن المشاركة فى الأنشطة الجماعية ، من خلال الفرق والشلل الشبابية ، تمثل طريقاً أساسياً للتسوية المطلوبة . فهذه المشاركة تحمي المراهق من الإحساس المؤلم بالعزلة، وتبعد عنه الخوف من تحمّل المسؤوليات ، كما تسمح له بمواجهة الضوابط الصارمة للمجتمع . وتشكل حياة المراهق داخل المجموعات الشبابية مرحلة وسيطة (انتقالية) بين الطفولة والنضج.

ولكن الاندماج الشديد في المجموعة يخشى أن يشكل عائقاً أمام اندماج المراهق في المجتمع، فكثير من المراهقين يصبحون أسرى الحياة الشللية ويتخبطون في اضطراب الطباع والشخصية نتيجة عدم قدرتهم على التكيف الاجتماعى. يشهد على ذلك الصدمات العاطفية، والإخفاقات ، أو ادعاء الانتصارات الوهمية . وهذا من شأنه أن يقوي الشك والحذر لدى المراهق ، ويدفعه نحو العجرفة والتكبر ، وقد يجعله شخصا غير متكيف مع المجتمع مدى الحياة .

هناك بعض الملامح المميزة للمراهق من شأنها أن تفسر هشاشة شخصيته وسرعة عطبها . من ذلك ميله إلى الأحكام المتطرفة ، واندفاعه غير الواقعي ، والكبرياء الذي يصل أحيان إلى ، مقترناً برغبة شديدة في الحصول حدّ الهذيان على الإعجاب والتقدير المباشرين .. كل هذا يجعل المراهق شديد التاثر بالصدمات العاطفية . إنه يرغب فى أن يكون رجلاً مسؤولاً ، محترماً ، محاطاً بالتكريم ، ولكن الواقع يصدمه ويخيب أمله . فهو في الواقع ليس إلا طالبا في المرحلة الثانوية ، أو يافعاً يظهر على وجهه حب الشباب ، يخفى كبرياءه خلف ستار من الخجل ، ويرتجف أمام الجنس الآخر ، ولا يحظى بمنزلة معتبرة في التراتب الاجتماعي . وفي مثل هذه الحال ليس مستغرباً أن نجده يعانى من القلق وعدم الاستقرار ، فيلجأ إلى سلوك شاذ .

أهمية دور الأهل

من واجب الأهل أن يراعوا حساسية المراهق المرهفة وأن يبنوا سلوكهم حياله على هذا الأساس . بالطبع ليس بوسعهم أن يخلصوه من جميع المشكلات ، وهو أمر غير مستحب أصلا . على الأقل من واجبهم أن يتصرفوا معه بأسلوب لائق ، فلا يعرّضوه للإهانة ، أو العقوبات غير المجدية ، أو الملاحظات المهينة ، مما يسبب له حرجا شديدا فى حضور أناس من خارج إطار العائلة لذلك على الأهل ان يحاذروا من الاستهزاء بصداقات ولدهم الأولى ، كذلك عليهم ألا يسخروا من بعض وساوسه بشأن جسده ، ولا يمزحوا بشأن الا بعض عيوب الخلقية . فعليهم يه التنبه إلى أن المراهق ينظر بعين الغضب والتخوين إلى كل ممن يبوح بأسراره الخاصة أو يلمح إليها . فالمراهق في هذه المرحلة يتذرع بأي أمر ، ولو كان تافهاً ، ليزيد من حذره وعدائه تجاه الراشدين . إن أي خدش لكرامته أو نرجسيته من شأنه أن يخلق لديه اضطرابات سلوكية وطباعية بيد أن هذه الاضطرابات ، لحسن الحظ ، لا تدوم . لذلك فإن تفسير هذه الأزمة لدى المراهق يعتمد على دراسة ماضية ( أي البنية التحتية النفسية ) أكثر مما يعتمد على علم الظواهر والأعراض Symptomatologie .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستبطان Introspection  : عملية ذهنية تشاهد بها الذات ما يجري في الذهن من شعوريات لوصفها لا لفهمها وتأويلها . .

(2) النرجسية Narcissisme  : عشق الذات .

 

 

 

 

شاهد أيضاً

اضطرابات الدورة الشهرية

إن آلية الدورة الشهرية شديدة التعقيد والهشاشة، لذلك تتعرض الاضطرابات كثيرة، أهمها انقطاع الحيض هذه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!