مقاربة سريرية لحالة فقدان الرغبة الجنسية

تتم دراسة غياب الرغبة الجنسية على خمسة مستويات أساسية ، هي المستوى البيولوجي ، المستوى النفسي الداخلي ، مستوى العلاقة بالشريك ، المستوى العائلي ، والمستوى الاجتماعي ـ الثقافي .

 أولا : المستوى البيولوجي

من الناحية التخطيطية البانية ، ولدى المرأة والرجل على حد سواء ، يبدو اليوم أن هورموني التستوسترون Testosterone والدوبامين Dopamine ينشطان الدوائر العصبية الدماغية المختصة بإطلاق الرغبة الجنسية . إن التواجد مع شريك جذاب والاحتكاك به يكفيان لتنشيط إفرازات هذين النوعين من الهورمونات ( هورمونات الحب ) لدى جميع أجناس الحيوان ، ولدى الجنس البشري أيضاً فأنثى الأرنب ، على سبيل المثال ، تطلق بويضة جاهزة للتلقيح وتقبل الاتصال الجنسي ما إن تلتقي بذكر . كذلك الأمر عند الإنسان : إن حضور الشريك المرغوب والمشتهى ، برائحته الخاصة ، وصوته ، ومداعباته في هذا ا الحضور يعتبر بحد ذاته مثيراً للرغبة الجنسية . ولكن الرغبة الجنسية ، مهما بلغت من القوة ، تتبدد مع وجود الخوف أو الألم أو الشعور بالذنب . فالرغبة الجنسية هي ، مثل أية غريزة بيولوجية ، محكومة بآليتين : تجنب الألم ، وطلب المتعة.

ويبدو جلياً أن معدّل الأندروجين androgen في الدم الذي تفرزه ليس فقط الغدد الخاصة به إنما أيضاً الخلايا العصبية في الدماغ ، يؤثر تأثيراً مباشراً في سلوكنا الشهواني . كذلك استطاعت الأبحاث العلمية أن تبرهن مؤخراً على أن الانفعال والإثارة الجنسيين إنما ينجمان عن إفرازات هورمونية استرولية stroides ، تفرزها الغدد الجنسية والخلايا العصبية الدماغية ، بإمكاننا أن نسميها هورمونات الحب » . من هنا يتوجب علينا ، قبل البحث في الأسباب النفسية لفقدان الرغبة الجنسية ، أن نعالج الأسباب البيولوجية من قبيل : خلل في إفرازات الغدد الصماء ، انهيار عصبي ، تسمم كحولي ، أو تسمم ناجم عن تناول بعض الأدوية المسكنة والمهدئة للأعصاب التي يمكن أن تحدث خللاً في عمل الوسائط الكيميائية الناقلة للموجات العصبية neurotransmetteurs . إن هذه العوامل البيولوجية تحظى بالأولوية من الاهتمام في مراحل معينة من حياتنا : مرحلة الإياس عند المرأة أو الرجل ، الحمل ، مرحلة ما بعد الولادة .

 ثانياً : المستوى النفسي

بعض الأشخاص يعاني من تعطل خياله الشهواني أو عدم تقبل صورته ( شكله ) ، وذلك نتيجة تربية جنسية قمعية تعود إلى مرحلة الطفولة .

إن مظهر البرودة واللامبالاة الجنسية لدى بعض الأشخاص قد يخفي في الواقع رغبة جنسية مضطرمة في داخلهم . لذلك ينبغي التمييز بين حالتين مختلفتين : حالة الشخص الذي يشكو من انعدام الرغبة الجنسية نتيجة تصورات وأوهام تستولي على تفكيره وتستحوذ على مشاعره ، وبين الشخص الذي يشكو فعلاً من خلل وظيفي في آلية انطلاق الرغبة الجنسية . غالباً ما يتمتع الشخص الأول بقدرة كبيرة على صعيد الآليات البيولوجية والفيزيولوجية التي تطلق الرغبة الجنسية ، ولكنه يعيش قلقاً دائماً حيال حجم قضيبه أو قدرته على الانتصاب ( إذا كان رجلاً ) أو حيال كفاية الرطوبة التي تسهل الجماع ( إذا كان امرأة ) . . . هذا النوع من الأشخاص ينبغي معالجته نفسياً وتخليصه من الأوهام قبل تخليصه من انعدام الرغبة .

 ثالثا : مستوى العلاقة مع الشريك

يمكن اعتبار الرغبة الجنسية من أفضل المعايير والموازين للحكم على واقع العلاقة الزوجية ومدى قدرة الشخص على تحقيق ذاته في إطار هذه العلاقة . ومن الواضح جداً أن هذه الرغبة الجنسية تصبح في نهاية المطاف اندفاعاً عميقاً نحو الآخر ، بكامل شخصيته ، حتى وإن انطلقت من محرّض خارجي ( كاستدارة النهدين أو النظرة المغرية ) . فالمداعبة الحسية سرعان ما تتجاوز نعومة النهدين ، باعتبارهما رمزاً للأنوثة وهدفاً شهوانياً ، لتنطلق في استكشاف الآخر بكل أبعاده : بفرحه ، وأنوثته ، وقلبه ، وروحه ، وانفعالاته . أما

إذا اعتبرت الملامسة الجسدية هدفا بذاته ، ولم تتدغم بالخيال والعاطفة ، فسوف تنتهي على المدى الطويل لأن تكون عملاً مملاً ، فارغاً من أي معنى أو دلالة .

رابعاً : المستوى العائلي

يمكن أن تتعرض الرغبة الجنسية لأنواع من الكبح في سياق العلاقة الزوجية . من ذلك على سبيل المثال أن يعيش الزوجان الشابان مع الأهل في مسكن واحد مما يجعلهما يشعران أنهما تحت المراقبة الدائمة كما كانا في مرحلة الطفولة . ومن ذلك ما يحدث في مرحلة الإياس أو التقاعد عن العمل حيث يصبح الزوجان وحيدين وجها لوجه ، مثل محاربين قديمين ، بعد مغادرة الأبناء العش العائلي وانطلاق كل منهم في سبيله .

خامسا : المستوى الاجتماعي – الثقافى

تبقى الرغبة الجنسية شديدة الأثر بالأوضاع المسببة للضغط النفسي . وقد أشار بلزاك Balazc إلى هذه المسألة في أطروحته المتعلقة بـ « فيزيولوجية الزواج » ، مبيناً كم أن عمل المرأة خارج البيت يحدّ من استعدادها الجنسي والواقع أن شخصاً مرهقاً في عمله ، معرضاً للبطالة أو يخشى الوقوع فيها ، خاضعا لرقابة ضريبية صارمة ، أو يعيش في ظروف اقتصادية غير مستقرة . . . مثل هذا الشخص لديه أمل ضئيل في الاستجابة لعلاج جنسي يهدف إلى تخليصه من حالة فقدان الرغبة الجنسية .

مهما كان الوضع ، وبعد دراسة حالة المريض على جميع هذه المستويات الخمسة ، يستطيع الطبيب المعالج أ ان يعين المستوى الأساسى الذي ينصب عليه العلاج . هذا مع العلم أن المريض غالباً ما يحاول اقترا مستوى آخر يظن أن فيه مكمن المشكلة ، فى حين تكون مشكلته فى مكان آخر . ويعتبر ذلك دفاعاً لاواعياً عن النفس أو عن هذه المسألة الحميمية فى حياته .

البحث عن أسباب فقدان الرغبة الجنسية

جميع الاختلالات الجنسية الوظيفية تعود إلى سبب مشترك هو القلق .

ولكن هذا القلق نفسه يعود بدوره إلى أسباب شديدة الاختلاف ، بسيطة أو معقدة ، تتغذى من واقع معاش أو من صراعات قديمة . وخلافاً لما نلاحظه فى حالات الاختلال الوظيفي المتعلق بمرحلة الإثارة أو بمرحلة بلوغ الذروة الجنسية ، فإن القلق الذي يصاحب انعدام الرغبة الجنسية بالغ الشدة ويظهر منذ بداية اللقاء الجنسي .

وفي حين ينجم العجز الانتصابي الثانوي عن قلق حيال الكفاءة الجنسية ، وهو أمر سهل العلاج ، فإن فقدان الرغبة الجنسية ينطوي عادة على صراعات حادة ، ويكمن في أساس العجز الجنسي الأولي . كذلك ينبغي عند التشخيص ، ومنذ الجلسة الأولى ، تعيين المرحلة التي يجب أن ينصب عليها العلاج من بين المراحل الثلاث للاستجابة الجنسية لدى المريض ( مرحلة الرغبة ، ومرحلة الإثارة ، ومرحلة ذروة النشوة ) . علماً أن هذه المراحل الثلاث متمايزة عن بعضها البعض ، ويمكن أن تصاب إحداها بالكبح بمعزل عن الأخرى .

 الأسباب المباشرة لفقدان الرغبة الجنسية

تتخذ عادة شكل تشتت ذهني : فما إن تظهر الرغبة الجنسية حتى يحاول الشخص طرد القلق بصرفه انتباهه عن الانفعالات والتخيلات الجنسية . وإذا به يستحضر مشاعر سلبية حيال الشريك ، والعملية الجنسية برمتها ، وحيال شخصه بالذات . عندئذ يسعى إلى تفادي الاتصال الجنسي ويحاول الانسحاب ، والواقع أن شدة قلقه تجعله يتمنى لو أنه لا يشعر بشيء . هذه الأسباب المباشرة لا تمثل في الواقع سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد . ففقدان الرغبة الجنسية غالباً ما يعبر عن وجود صراعات نفسية عميقة وغير واعية .الخوف من العلاقة الحميمة

العلاقة الحميمة هى علاقة عاطفية مميزة ، تتكون من الاهتمام المتبادل بين الشريكين ، ومن المسؤولية والثقة والتواصل وتبادل المشاعر والأحاسيس . غير أن بعض الأشخاص لم يتمكنوا من تنمية هذا الاستعداد في أنفسهم بسبب انفعالات سلبية يحملونها من طفولتهم . لذلك نجد هؤلاء يبذلون كل ما في وسعهم لاتخاذ مسافة من الشريك ، والإسراع في الانفصال عنه ، وتخريب علاقاتهم مع الجنس الاخر . ذلك أن العلاقة الحميمة والجنسية في نظرهم إنما تنطوي ، رمزياً ، على علاقة محرّمة يجدون أنفسهم غير قادرين على احتمالها .

الخوف العصابي من الفشل على الصعيدين العاطفي والجنسي

ينبع هذا الخوف من عوامل مختلفة منها (التعاليم الأبوية السلبية)حذار ( من مقاربة اللذة الجنسية !) مما يؤدي إلى اقتران اللذة الجنسية بالخطيئة سيناريو الفشل هذا يمكن أن يشمل كل نواحي حياة الشخص ، وقد يبقى مقصورا على الناحية الجنسية . وفى هذا السياق يبدو البعض أن التضحية بالمتعة الجنسية ثمن لا بد من دفعه لتحقيق التوازن فى المجالات الأخرى .

شاهد أيضاً

اضطرابات الدورة الشهرية

إن آلية الدورة الشهرية شديدة التعقيد والهشاشة، لذلك تتعرض الاضطرابات كثيرة، أهمها انقطاع الحيض هذه …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!