الجوانب النفسانية للحمل

يؤدي الحمل إلى تغيرات جسدية كثيرة . ولكن علينا أيضا أن نهتم باثاره النفسانية القوية على المرأة الحامل .

 ما يجب معرفته عن الحمل

قبل دراسة المراحل المختلفة للحمل علينا أن نعرف ما يمثله هذا الأمر على الجنس البشري . يؤمن التكاثر استمرارية الكائنات الحية ، فيما يتيح الحمل تكون وإنضاج فرد جديد من أفراد الجنس الحي . وهذا الحمل هو عبارة عن مجموعة عمليات تبدأ بالتلقيح وتنتهى بالولادة .

في عملية التكاثر غير الجنسي، ينفصل جزء من الكائن الحي ليعطي كائنا جديداً من نفس النوع . (تكاثر النقاعيات (1) ، على سبيل المثال ) .

أما عملية التكاثر الجنسى فتنشأ من اتحاد خليتين تناسليتين : الأولى ذكرية ( حوين منوي Spermatozoide) والأخرى أنثوية ( بويضة ناضجة Ovocyte ) . إن اتحاد هاتين الخليتين يولد مضغة تنمو ثم تعطي مولودا جديدا يشبه أبويه بنسبة أو بأخرى .

إن دور الذكر في عملية التكاثر الجنسي ( التناسل ، التوالد ) محدود في تقديم الحوينات المنوية ( خلايا تناسلية ذكرية ) . أما دور الأنثى فلا يقتصر على تقديم الخلية التناسلية الأنثوية ( بويضة ناضجة ) وإنما يتجاوز ذلك لتقديم المأوى والغذاء للجنين إلى أن يصبح قادراً على العيش مستقلاً عنها هذه الفترة من احتضان الجنين وتغذيته تسمى الحمل ، وهي تدوم لدى الجنس البشري 270 يوما تقريبا ، أي ما يعادل 9 أشهر الحمل إذن هو حال المرأة الحامل ، منذ التلقيح حتى الولادة . وتنقسم فترة الحمل هذه إلى عدة مراحل:

– تلقيح البويضة ( الإخصاب ) في قناة فالوب Trompe de Fallope .

– انزراع ونمو البويضة في الرحم . ثلاثة فصول من الحمل ( 9 أشهر ) .

– الولادة .

– ما بعد الولادة .

تتميز كل مرحلة من هذه المراحل بعدد من العمليات الفيزيولوجية الخاصة ، وكل مرحلة منها محفوفة ببعض الأخطار .

إن الحمل حددك بالغ الأهمية في حياة الزوجين ، خصوصاً في حياة المرأة ، وهو حالة فيزيولوجية تترتب عليها نتائج جسدية ونفسية مختلفة . لكن بعض هذه النتائج قد لا تكون « طبيعية » .

التغيرات النفسية أثناء الحمل

ثمة اضطرابات نفسية عميقة تحدث لدى المرأة الحامل ؛ وهي اضطرابات لا تعيها المرأة في معظم الأحيان ، يستطيع الطبيب أو المحلل النفسي أن يساعد على اكتشافها وتفهمها .

يثير الحمل لدى المرأة ذكريات ومخاوف وصراعات داخلية قديمة تعود إلى مرحلة الطفولة الأولى ؛ وهي تؤثر في المرأة بنسبة أو بأخرى تبعا لمزاجها وشخصيتها ، وتبعاً لقدرتها على مواجهة المشكلات وحلها . وتفسر هذه الاضطرابات الأعراض التي تنتاب المرأة الحامل ( من اكتئاب أو سرعة انفعال . . . ) وتبرر سلوكها وتصرفاتها.

في بداية الحمل غالباً ما يبدو على المرأة قلق من المستقبل القريب . هذا القلق مرتبط في ذهنها بالصعوبات التي يمكن أن تكون والدتها أو جدتها قد واجهتها أثناء الولادة . لذلك كثيراً ما يضطرب سلوكها في هذه الفترة ، فتشعر بضيق في الوسط العائلي أو المهني ، كما تنتابها بعض الكوابيس الليلية التي تعكر صفو نومها . ما إن تشعر الحامل بحركة الجنين حتى تتبدّد تلك المخاوف ليحل محلها قلق من نوع آخر يتعلق بشكلها ومظهرها ، أي ما تعتبره بعض النساء تشويهاً لجمالهن . غير أن الفصل الثاني من الحمل من شأنه أن يدخل الهدوء والسكينة إلى نفس المرأة ، فتتكيف مع حملها وتأخذ في انتظار طفلها .

الفصل الأخير من الحمل هو مرحلة التحضير لانفصال الجنين عن الأمم من المؤكد أن هذا الطفل سيولد ، وستنتهي فترة « استضافته ، في الرحم . ولكن هذه الولادة المنتظرة ستنهي أيضاً الحلم الذي كان يراود الأم بشأن طفلها . هنا غالباً ما تتوجسس المرأة خيفة من صعوبة الولادة ومن احتمال أن يأتي الطفل مشوهاً خلقياً . ومعلوم أن الخوف من صعوبة الوضع لا تبدّده تبديداً كاملاً التمارين التى تتبعها المرأة الحامل وجلسات التحضير النفسي التي تحضرها قبل الولادة .

من هذه الزاوية فإن حضور الزوج ( الأب ) في غرفة الولادة يشكل دعماً نفسياً ( = معنوياً ) مهماً للأم ، ولكنه قد يكون « امتحاناً ، صعباً للزوج . وحتى الآن لم تتأكد فائدة حضور الزوج لولادة طفله ، فمن شأن ما يشاهده أن يؤثر في طبيعة علاقته بزوجته . بين المرأة الزوجة والمرأة الأم . . .

ثمة تغييرات أخرى ، شبه واعية ، تحدث خلال فترة الحمل ؛ فقد تشعر المرأة بصراع بين دورها كزوجة ودورها كأم . إن أحلام اليقظة التي تراودها تتمحور حول شعلة الحياة الملتهبة في داخلها ، فتأخذ في التخطيط لمستقبلها انطلاقاً من الطفل الآتي . إن ذلك يجعلها تشعر بقوتها وقدرتها على المشاركة في عمل خلاق . هذا الطفل سيبقى محور حياتها لعدة سنوات . فهل ستكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها أمام طفلها وزوجها في آن معاً من دون أن تفاضل بينهما على صعيد الاهتمام والعطف ؟

هذا هو الصراع الذي ينشأ في نفس المرأة الحامل ، وسيبلغ ذروته بعد الولادة مباشرة . غير أنه يبدأ بالظهور قبل ذلك ، من خلال إشارات وإيحاءات متعددة ، بحيث أن الزوج لن يفاجأ بهذا الأمر عندما يجد نفسه مهمشاً على نحو ما . الحامل وصورتها الجسدية ينشأ لدى المرأة الحامل هواجس تتعلق بجاذبيتها وقدرتها على إثارة الإعجاب نتيجة التغيرات التي تطرأ على مظهرها . بعض الحوامل يتألمن لتغير مظهرهن وتبذل مظاهر الأنوثة فيه التي كن يفخرن بها . وعلى أثر الحمل يشعرن بأن لا قيمة لهن وقد يصل الأمر إلى الإحساس بعدم الأمان . فإذا لم تناقش المرأة هذا الموضوع مع زوجها بسرعة يُخشى أن تصاب علاقتها الزوجية بالعطب لفترة طويلة . في المقابل ثمة نساء يشعرن بالفخر والاعتزاز لأن تكوّرات أجسادهن أثناء الحمل إنما هي توكيد لأنوثتهن .

الرجل في مواجهة الحمل

يتراوح سلوك الرجل بشأن هذا الأمر بين اللامبالاة ، أكانت حقيقية أو مفتعلة ، وبين الضيق الشديد على الصعيدين النفسى والجسدي . بعض الرجال يعانون من « أعراض ما قبل الولادة ، مثل الغثيان والصداع … فتراهم قلقين متوترين مع اقتراب وقت الولادة ، ويحاولون البحث عن أي طريقة للتخلص من هذا القلق .

إن استباق موعد ولادة الطفل يؤدي إلى حدوث تغيير في النظام السائد داخل الأسرة . وهذا التغيير غالباً ما يتأثر ، سلباً أو إيجاباً ، بالانفعالات والمشاكل التى ترافق مسار الحمل ، سواء كانت هذه الانفعالات واعية أو غير واعية .

أحد المسائل الأساسية في هذا الصدد هي أن نعرف كيف تعيش المرأة حملها ؟ هل تعتبر الحمل إباتاً لحريتها واستقلاليتها أم تعتبره خطوة أساسية على طريق النضج ، ودليلاً على أنها أصبحت قادرة على الحمل بطفل ؟ أو هل تجد هذا الحمل دليلاً وإبتاً لحبها لزوجها ورباطاً إضافياً يجمعهما أم وسيلة للتخلص من خلافات زوجية ؟

في منعطفات هذه المشاعر المتباينة ، والمتناقضة أحياناً ، تتبدّل العلاقة الزوجية على مدى فترة الحمل وتبعا للظروف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النقاعيات : حيوانات مجهرية من ذوات الخلية الواحدة تعيش المادة العضوية ، من مثل الأميا في السوائل وفي نقاعات Amiba .

 

شاهد أيضاً

الدورة الشهرية (2) : المرحلة البروجسترونية والحيض والتلقيح وتعيشيش البويضة

في منتصف الدورة الشهرية يحدث أحد أمرين: إما أن تتلقح البويضة، وهنا يبدأ الحمل، وإما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!