الحضن الدافىء يذيب الجبال

000017السؤال : عندي خمس بنات أكبرهن حنان التي تبلغ من العمر 15 سنة وهي فتاة ذكية تحصيلها العلمي جيد جداً ، تمتلك عدة مهارات ومواهب منها : الخط، والرسم ، والكتابة الأدبية بما يناسب سنها ومع ذلك فهي خجولة ومترددة في مواجهة أي جديد سواء كان هذا الجديد شخصاً تتعرف عليه أو حدثاً ويظهر عليها ذلك عند مقابلتها للناس للمرة الأولى حيث تحتاج لوقت طويل لتنطلق في المشاركة بالحديث ، تنظر دائماً لما يتميز به الآخرون وتفتقده ، فتشعر بالإحباط .

الإجابة :

  • الأم السائلة ، لا نملك حيال ما وصفت به ابنتك إلا أن نقول كما علمنا رسولنا الكريم : (باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله ) وحفظ الله ما انعم به عليها ، ونفعها بما تتعلم ونفع لها .
  • ونأتي معك إلى الجزء الثاني من الإستشارة ، تقولين : إنها مع هذه المواهب التي ذكرت خجولة ومترددة في مواجهة أي جديد ، ولهذا تفسيره فهي الطفلة الأولى . كما حددت في تربيتها وعادة عندما تتزوج الفتاة وترزق بطفلها الاول لا يكون عندها خبرة تربوية كاملة بكيفية تربية الاطفال وإشباع احتياجاتهم المختلفة خاصة النفسية ، في الوقت الذي لا يزال انشغالها في الزوج ورعاية البيت ، يأخذ حيزاً كبيراً من اولويات اهتماماتها وبالتالي يقع الطفلالاول فريسة للإشباع العاطفي غير الكامل وكأننا أعطينا للطفل وجبة لبن لذيذة لكنها غير مشبعة ، والخجل يمثل مرحلة من مراحل نمو الطفل يبدأ في التخلص منه بعد السنة الثانية إذا حصل له الامتلاء النفسي . بأهتمام الام به عند الولادة وعدم انشغالها عنه ، ولهذا الاهتمام اهميته ، وهو المسؤول عن بناء الثقة داخل الطفل ، تلك الثقة التي تمثل للطفل جواز المرور والانطلاق إلى العالم الخارجي بكل الحرية ، إنه جواز لا تمنحه سوى جهة عليا وحيدة ، بشرط واحد ويكتب فيه عبارة واحدة ، تلك الجهة هي الام والشرط هو حصول الطفل على الاشباع العاطفي الكامل وأما العبارة فهي ما يسيطر في البنية النفسية للطفل ( انا موجود إذاً أنا محبوب) وهي تساوي الثقة .
  • ونعطي مثالاً للإنشغال حتى نفهم المقصود به وكذلك أثره ، وسنعطي لذلك مثالاً ظاهراً فما من أم لم بعملية تدريب طفلها على تنظيم عملية الإخراج ولكل منهن أسلوبها في ذلك . ولا مجال هنا لمعالجة هذه الاساليب . لكن سنأخذ أحد هذه الاساليب ، فأحياناً تقوم الام بعملية التدريب دون تفرغ ، لانشغالها الشديد بأشياء أخرى فيتسم تدريبها لطفلها بنفاد الصبر الذي يصل أحياناً للقسوة .
  • وهذا الانشغال يترجمه احساس الطفل بأنه مرفوض من أمه لإنه قذر ويصعد الامر عند بعض الاطفال إلى صدمة في اللاشعور يظهر في صورة الانطواء وعدم التلقائية وبصفة خاصة وإذا أضفنا إلى هذا التفسير رؤية ابنتك لاهتمامك بأخواتها الاربع الاصغر منها ، ومما سبق يمكن فهم إحساسها الدائم بتميز الآخرين . فقد كانت تحس بداخلها أن هناك من هو مستحوذ على اهتمام الام غيرها وهم دوماً الاخوة الاصغر سناً .

 

والسؤال الآن : هل يمكن تعويض ما فاتها؟ هل يمكن ملء الفجوة العاطفية؟ نعم ، على ان تلتزمي أيتها الام لعلاج أصل المشكلة وتهملي الظواهر (الخجل – التردد .. ) بعدم التعليق على هذه الظواهر أو الاهتمام بها ، ثم يأتي دورك في تعويضها في المراهقة عما فاتها من اهتمام في مرحلة الطفولة ، فما عليك سوى إعطائها مزيداً من الاهتمام الذي يشعرها بأنها تملك مشاعرك احتضينها كأنها طفلة صغيرة واستثمري مراهقتها في توثيق العلاقة بينكما وجعلها مجالاً للحوار، تكلمي معها عن أحاسيسها ومشاعرها أعملي على نقل خبراتك لها بلغة الصديق والاخت وحنان واسيتعاب الام ، افعلي كل ما من شأنه أن يزيد ثقتها بنفسها بأن تنتبهي لصفاتها الإيجابية وغضي الطرف عن صفاتها السلبية ، فلا تقولي لها : أنت ذكية ومتفوقة لكن لو تتخلصين من خجلك سيكون أفضل .. وهكذا ..

  • وقولي لها : أنا وأنت معاً هذا يكفي لا داعي للاهتمام بمن حولنا ، تصرفي على أساس مما تؤمنين به من مبادىء لا بناء على آراء الآخرين فيما تفعلينه ، وأحكي لها حكاية جحا وابنه حينما حاولا إرضاء الناس ، فركبا الحمار معاً ، فسخر الناس ، وقالوا : إن الحمار لا يتحملهما ، وركب جحا ومشى ابنه ، فسخر الناس وقالوا : يركب الكبير ويمشي الصغير الضعيف ، وركب الابن على الحمار ومشى حجا بجواره ، فأستهزأ الناس، وقالوا : كيف يركب الصغير ويمشي الكبير وبعد ذلك حملا الحمار سوياً ، فأدخلهما الناس مصحة للأمراض العقلية .
  • استثمري مواهبها في تشجيعها على الكتابة ، لأن تعبيرها عما بداخلها بالكتابة الادبية سيعوض جزءاً مما فقدته في البناء النفسي وأدى إلى خجلها وترددها .
  • كل ما أريد أن أقوله : إن ما ترتب على الاشباع العاطفي غير كامل في صغرها ظهر الآن في ترددها وخجلها ، مثل جبل الثلج الذي ترب إليها في اللاشعور ، هذا الجبل لن يذيبه التوجيه اللفظي والكلام بل سيصطدم به ويزيده صلابة ولن يذيبه سوى دفء حضنك واهتمامك وثقتك فيها ، فأجعلي مهمتك تذويب الثلوج بعيونك الحانية وحضنك الدافىء .

شاهد أيضاً

الطلبات المرهقة لأبنتي المراهقة (2)

ثالثاً : تلبية الطلبات : والآن نحن أمام مشكلة تلبية طلبات الابن أو البنت عموماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!