المراهقة بصورة مبسطة !

  • 00001فمرحلة المراهقة من أخطر المراحل التي تواجه من يقوم بالتربية ، وذلك لأنها مرحلة إنتقال جسمي وعقلي وانفعالي واجتماعي ، بين مرحلتين متميزتين هما : مرحلة الطفولة الوادعة ، الساذجة الهادئة ، ومرحلة الشباب التي تُسلم المراهق إلى الرشد والنضوج والتكامل والرجولة الكاملة . وهي مرحلة طبيعية في النمو ، يمر بها المراهق كما يمر بغيرها من مراحل العمر المختلفة ، لا يتعرض لأزمة من أزمات النمو مادام هذا النمو يجري في مجراه الطبيعي ، فهي ليست – بحد ذاتها – أزمة ، وإنما في مرحلة إنتقال وتغيير كلي ، وإن حصلت الأزمة فإنها إنما تنشأ بسبب عوامل مؤثرة غيرها ، أو بسبب معالجة مشكلات المراهق .
  • لا تكاد مرحلة المراهقة تبلغ أوجها حتى تكون مستويات المراهق الإدراكية قد تفتحت وتسامت ، وذكاؤه قد بلغ أوجه ، كما تتحدد في هذه المرحلة اهتمامات المراهق ، ويتحرر من الشطحات والخيال ويميل إلى القراءة والإطلاع ، ويصبح قادراً على التجريد وإدراك المعنويات ، وتجاربه في البيت والمدرسة والمجتمع قد تنوعت .
  • كل تلك العوامل العقلية والاجتماعية ،إضافة إلى النضج الجنسي ، تتضافر في إيجاد وعي ديني عند المراهق ، يختلف عن الأهتمام الديني عند الاطفال ، فعندئذ يبدأ بتكوين فكرة عن الحياة والمصير والغاية ، ويفكر بالخالق سبحانه وفي صفاته وهذا يكون لديه يقظة دينية تثير نشاطاً علمياً ، كالعبادة التي تترجم عن إيمانه ، وكالجهاد في سبيل الله ، وتحمل المطالب والمسؤوليات تجاه دينه ، والاستهانة بالعقبات التي تقف أمامه .
  • والمراهق – كغيره – يجد في الدين أملاً مشرقاً بعد يأس مظلم ، ويجد فيه أمناً من خوف ، وفكراً يسد فراغه النفسي وقلقه الإنفعالي ، وهذا كله يدفع بالمراهق إلى المبالغة في العبادة والتعمق فيها .
  • وهذا الوعي الديني عند المراهق ، يجب توجيهه وجهة سليمة صحيحة ، تتفق ومقدرته العقلية وتكوينه النفسي والانفعالي ، ليكون فهمه للدين – منذ البداية – فهماً صحيحاً ، بعيداً عن الأوهام والخرافات والتعصب . فلا يجوز أن يفهم بعض آيات الكتاب الكريم على نحو غير صحيح استناداً إلى أنه لا يستطيع الآن أن يدرك معانيها الحقيقية كما ندركها نحن مثلاً ، أو بحجة أستغلال عاطفته الدينية خوفاً من موجات الشك والإلحاد ، أو أنتصاراً للدين على العلم – كما يفعله بعضهم – أو بأي حجة أخرى .
  • فإن تلقين المعاني والأفكار الدينية للمراهق بشكل منحرف أو خرافي يؤدي إلى ناحية سلبية ، فينكر الدين إلحاداً وازدراءً ، أو ينكر العلم جهلاً وتعصباً .
  •  ومن هنا كان من الواجب توجيه المراهق توجيهاً سليماً واضحاً ، ووجب الابتعاد عن السطحية والضحالة في تقديم الافكار الدينية له وتعليمه إياها .
  • كما يجب على كل من يُعنى بتربية المراهق أن يفتح له قلبه بفتح باب المناقشة الهادئة الواعية الدقيقة ، وأن يعوده على ذلك وأن لا يضيق أو يتبرم بمناقشته واسئلته ، لأنه يميل في هذه المرحلة إلى مناقشة كل فكرة تُعرض عليه فهو لم يعد طفلاً يأخذ كل شيء بالتسليم المطلق ، وإن كان هذا لا ينفي أن نزرع في نفسه أيضاً التسليم المطلق لله تعالى والانقياد لأوامره واحكامه ، وأنه سبحانه وتعالى إنما شرع شرعته لمصلحة لنا ، قد يدركها العقل وقد يعجز عن إدراكها ومعرفتها أحياناً ولكنه – بكل تأكيد – ما من حكم شرعي إلا وهو ينطوي على مصلحة للبشر .
  • وهذا هو الطريق السوي السليم – فيما أحسب – في توجيه المراهق دينياً ، بحيث نبعث في نفسه السكينة والاطمئنان ، والثقة بالنفس ، مع القناعة العقلية والوجدانية . والمباعدة بينه وبين الغرور ، وبهذا نحفظه من رياح الإلحاد والاستهتار والانحلال .
  • وكذلك يقف المراهق – والمراهقة أيضاً – موقفاً إيجابياً من الأخلاق ، بعكس ما كان عليه عندما كان طفلاً ، فهو لا يتقبل أي موقف أخلاقي دون مناقشة أو تقليب النظر .
  • إن المراهق والمراهقة يناقشان في صراحة – أحياناً – كل ما يصدر عن الوالدين من أعمال ويحاولان أن يصدرا أحكاماً على هذه الاعمال ، فكل منهما يقبل عندئذ ما يروقه وما يتمشى مع منطقه ، ويرفض ما يتعارض مع مثله العليا ، ويجادل والديه في هذا كله .
  • وهناك ظاهرة أخرى في سلوك المراهق الخلقي إذ بإستطاعته الآن التفكير في صيغ عامة ، وأن يكون لنفسه (مُثلاً عليا ) هي تجمع لخبراته السابقة في الطفولة .
  • ومن الأمثلة القريبة على هذه المثل العليا والأخلاق السامية عند المراهق : أولئك الفتيان الذين ينشطون دائماً في جمع التبرعات للمنكوبين أو المشردين ، دون أن ينتظروا من وراء ذلك كسباً مادياً أو نفعاً دنيوياً عاجلاً .
  • مثال آخر يدل على شهامة المراهقين ومثاليتهم العالية : أولئك الطلاب الذين اشتركوا في حرب فلسطين عام 1948م أو في معركة القناة بمصر بعد إلغاء المعاهدة المصرية الإنجليزية عام 1926م وكان الكثير من هؤلاء في سن المراهقة ، ذهبوا وضحوا بأنفسهم في سبيل مبدأ جليل دون رهبة أو وجل، يدفعهم إلى ذلك إيمان بالله قوي ، وأخلاق عالية سامية .
  • وإذا أرتقينا إلى تاريخنا الإسلامي في عهد الصحابة – رضوان الله عليهم – وجدنا أمثلة كثيرة تعز على الحصر ، تؤكد ذلك ، فأولئك الشباب من الشهداء في عهد النبوة . واؤلئك الذي جاهدوا مع النبي صل الله عليه وسلم مثال رائع لذلك ، وكان فيهم من لا يتجاوز الخامسة عشرة من العمر ، ومنهم من ردّه الرسول – عليه الصلاة والسلام – ولم يُجزه في الإشتراك في الجهاد ، لصغر سنه .. إنما أمثلة رائعة للبطولة الشامخة والإيمان القوي .
  • وبعد ، فقد يجد المراهق أن مثاليته هذه بعيدة عن الواقع وصعبة التنفيذ ، عندما تتسع الدائرة التي يتعامل معها ، وقد يساوره شيء من الشك في قيمة تلك المثل العليا ، أو قد يعتبرها رياءً لا معنى لها ، فينتهي إلى الانطواء على النفس واحتقار الذات ، أو الاندفاع في غمار الحياة لتحقيق رغباته وإشباع دوافعه الفطرية ، دون أحترام للمبادىء الأخلاقية ، ما لم يكن هناك وازع من الدين والتربية القويمة التي تربط هذه القيم الاخلاقية بعقيدة المراهق وإيمانه بالله تعالى، ووجوب الالتزام بشرعه ، ويضبط النفس بين دوافعه وضوابطه وطموحاته وواقعه، وهي مسئولية عظمى تقع على عاتق كل من جعله الله تعالى مربياً أو داعياً لأولئك الافراد ، تحتاج إلى عون من الله تعالى ، وإلى كثير من الجهد والصبر والمصابرة والمثابرة ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا وإن الله لمع المحسنين ).

شاهد أيضاً

الطلبات المرهقة لأبنتي المراهقة (2)

ثالثاً : تلبية الطلبات : والآن نحن أمام مشكلة تلبية طلبات الابن أو البنت عموماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!