المراهقة ثورة ميلاد !

000016السؤال : اقدم لكم مشكلة اعاني منها معاناة نفسية اكلت من صحتي وتفكيري الشيء الكثير ، حيث حاولت تجنب معركة المراهقة مع ابني البكر الذي بلغ الآن الخامسة عشر من عمره ، واعترف أنه كان فيها كبوات كثيرة ، ولكن تركت ولإخوته التعبير عن الرأي بصراحة وصدق حتى ولو كان خطأ ودائماً اوصيهم بفعل ما يريدون فعله دون ان يخجلوا منه ولكن تحت اشرافي ، معاناتي مع ابني المراهق هي عدم القدرة على التفاهم في جميع الامور العلمية والعملية ، دائماً يظن أنني ضده ، ولا اراعي مشاعره ونظرته المستقبلية او ما يسمى بالتسلط ، وهذا ما ارفضه لانني اضع حدوداً لحريتي حتى مع ابنائي ، ارجوا التكرم بإرسال الاجابة عن تساؤلي : كيف يمكن لي أن اتصرف أو اتعامل مع مراهق يعاملني بذد ما اتمناه له من خير وانتم تعلمون كم هذا مؤلم لأم مثل حالتي فأنا أرملة ؟

الإجابة :

أولاً :نطلب منك طلباً هاماً جداً ، قبل البدء في تحليل ما وصفته بالمشكلة ، التي لا نراها مشكلة .. هوني على نفسك ، فالامور اهون من ان تخاض بسببها المعارك والحروب وكل هذه المعاناة النفسية .

  • يقول (د.يوسف ادريس) في جريدة الاهرام القاهرية (3\6\1977) (يخيل أننا في بلادنا العربية أكثر الشعوب جهلاً في مواجهة الثورة .. ثورة الشباب ،لم ندرك أنها مسألة هينة ، نسميها مشاكل المراهقة وما هي بمشاكل وما هي بمراهقة وإنما هي ثورة ميلاد ) وكي يتم التعامل مع (ثورة الميلاد) فلا بد من تفهم طبيعة هذا المولود الثائر الهائج ، وتفهم ما يمر به ، وإذا ما تم ذلك ، فسوف تكون خطوات التعامل واضحة ، نخطوها بقدمين راسختين وهنا ينتهي كلام د.يوسف إدريس .
  • يشكو معظم الشباب – وبصفة خاصة الشباب العربي في هذه الايام – من أن آباءهم لم يعودوا يفهمونهم كما كانوا يفعلون معهم من قبل وهم في مرحلة الطفولة ويلاحظون وجود (هوة ) تزداد اتساعاً بين فهمهم هم للأمور – وبخاطة شئونهم الحياتية الشخصية وتصرفهم فيها – وفهم الآباء وتصرفاتهم إزاءها .

هناك سببان كامنان وراء هذه الهوة :

أولاً: اختلاف مفاهيم الآباء عن مفاهيم الابناء ، وهذا طبيعي لاختلاف الاجيال والأزمان ، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار سرعة تغير مجتمعاتنا ( لا ننسى أن الابناء يعيشون الان في عالم اكثر انفتاحية : فضائيات ،انترنت ، كمبيوتر .. بينما عاش جيل الآباء خبرة التلفاز – ابيض واسود – عندما كانوا في مثل سنهم ) .

ثانياً : اختلاف البيئة ، بين البيئة التي نشأ فيها الاهل وتكونت فيها شخضيتهم وبيئة الابناء ولذا نرى أن (صراع الاجيال) تقل حدته في الريف حيث يتلاشى عامل اختلاف البيئة .

  • المشكلة لم تكمن ابداً في وجود الهوة التي هي من سنن الله في كونه ولا مجال لمحوها او التخلص منها ، ولكن المشكلة هي ان الاهل نادراً ما يحاولون ان يتصرفوا على اساس رؤية الامور من موقع الابناء لا من مواقعهم هم . وهنا بالضبط ما أكدته الدراسات التي أظهر أن أكثر من 80% من مشكلات المراهقة – في عالمنا العربي- كانت نتيجة مباشرة لمحاولة الوالدين يسيير اولادهم بموجب آرائهم عاداتهم وتقاليد مجتمعاتهم ، وبالتالي يحجم الابناء وبخاصة في سنوات الشباب الاولى ، عن الحوار مع اهلهم لانهم يعتقدون أن الآباء اما أنه لا يهمهم ان يعرفوا مشكلاتهم ، او انهم لا يستطعون فهمها ، او انهم – حتى ان فهموها – ليسوا على استعداد لتعديل مواقفهم .
  • وهذا يلوذ البنون إلى (الضدية) ( السباحة ضد تيار الاهل ) بطريقة تؤلم الوالدين – كما وصفتي تماماً – ولكن دونما شعور منهم ، وقد وصف شاب هذه الحالة بالاغتراب بينه وبين والديه .

لماذا ؟ لماذا هذه (الضدية) ؟ ولماذا حالة الاغتراب بين المراهق ووالديه ؟

  • هذا السؤال إجابته تكون في (محور الأنا) التي يتميز بها المراهق ، فالمراهق مدفوع – رغماً عنه وبحكم عوامل نفسية تعتمل فيه هذه المرحلة من نموه – إلى التركيز الشديد على ذاتيته الشخصية الناشئة التى تتحول إلى محور اهتمامه وهواجسه ، حيث إنه يكتشف تمايزه وتفرده – وهو الذي كان بالامس القريب جزءاً لا يتجزأ من بيئة عائلية في حالة اندماج معها – هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى تطرأ عليه – دون وعي أو شعور منه – حالات من القلق والمزاجية وعدم الاستقرار و(ازمة هوية) ( إنه مخاض ذلك المولود الجديد الذي وصفناه من قبل المولود الثائر ) .
  • فانسلاخ المراهق عن مواقف وثوابت ورغبات الاسرة ، ما هو إلا وسيلته لتأكيد وإثبات تفرده وتمايزه ، وهذا يستلزم بالطبع معارضة سلطة الاهل – سواء اكانت صادرة بصورة حازمة ام بصورة هادئة – لأنه يعتبر أي سلطة فوقية أو اي توجيه إنما هو استخفاف لا يطاق بقدراته العقلية التي اصبحت موازية جوهرياً لقدرات الراشد واستهانة بالروح النقدية المتيقظة التي تدفعه إلى تمحيص الامور كافة ، وفقاً لمقاييس المنطق .

إذن هذا هو (المولود الثائر) فما الحل ؟

  • إن معالجة مثل هذه الاوضاع لا يكون إلا بـ(احلال احوار الحقيقي) بدلأ من التنافر والصراع والاغتراب المتنبادل وهنا لا بد من التنويه إلى أنه ليس المقصود بلفظ (الحوار) إزالة كافة انواع الخلافات او انسحاب الاهل امام رغبات الشباب ونزواتهم بل المطلوب ، من الاهل ان يكونوا موجودين بكل ما تحمله كلمة (موجودين) من معنى .
  • لا بد من تفهم وجهة نظر الاولاد فعلاً لا شكلاً ، بحيث يشعر الشباب بأنه مأخوذ على محمل الجد ومعترف به وبتفرده – حتى لو لم يكن الأهل موافقين على كل آرائه ومواقفه – وأن له حقاً مشروعاً في ان يصرح بهذه الاراء ( وهو ما تفعلينه حسب وصلك ) الاهم من ذلك ان يجد الشاب لدى الاهل آذاناً صاغية وقلوباً منفتحة من الاعماق لا مجرد مجاملة ، كما أنه ينبغي ان نفسح المجال لأن يشق الشاب طريقه بنفسه حتى لو أخطأ ، فالاخطاء طريق التعلم .
  • واحب دوماً تسمية (فن الحوار ) مع الابناء بأنه (ابو الفنون التربوية ) وإليك أيتها الام الفاضلة بعض جوانب هذا الفن : لفن الحوار اساليبه وطرقه ووسائله فمثلاً عليك اختيار الوقت المناسب لبدء الحوار مع الشاب بحيث تكونا – انت وابنك – غيرمشغولين بل مكرسين وقتكما للحوار عن موضوع معين .
  •  وإذا تحدثتما جالسين ، فلتكن جلستك معتدلة ، لا فوقية (انت واقفة وهو جالس) ولا تحتية (انتي جالسة وهو واقف ) بل جلسة صديقين متآلفين ، ابتعدي عن التكلف والتجمل واحذري نبرة التوبيخ والنهر والتسفيه ، غلفي الكلام بأسلوب من يريد ان يصل إلى قلب قبل عقل من يحاوره .
  •  من ممنوعات ( فن الحوار مع المراهق ) التلويح باليد او المقاطعة بتعليق ، بل يترك ذلك إلى نهاية تعبيره عن نفسه ، حاولي الابتعاد عن الاسئلة التي تكون اجاباتها (بنعم ) او (لا) او الاسئلة غير الواضحة أو غير المباشرة افسحي له مجالاً للتعبير عن نفسه ، فمثلاً : لا تقولي له : هل اعجبتك الرحلة ؟ بل يكون السؤال : ما اكثر شيء اشتثارك أو لفت انتباهك خلال الرحلة ؟
  • لا تستخدمي ألفاظ قد تكون جارحة دون قصد منك مثل : (كان هذا خطأ ) أو ( ألم انبهك لهذا الامر من قبل؟) .
  •  وليس بالضرورة الاجابة على كل تساؤلاته فوراً ، ولا مانع من الاتفاق على تأجيل الاجابة لحين تأكدك من صحة ما ستقولينه ( لا بدك من تحديد موعد ولا تترك الموضوعات مفتوحة ، واهم من ذلك الوفاء بالموعد المحدد حتى لا تضيع مصداقيتك عنده) .
  •  وفي النهاية الأذن الواعية والقلب المتفهم ، والدعاء المستمر بصلاح الابناء هم (العصا السحرية ) التي ترشد المراهق إلى طريق الصواب ، عيشي معه قليلاً داخل عالمه لتفهميه ، وستوعبي مشاكله ومعاناته ورغباته ، عيشا معنا بمعنى الكلمة ، كل منكما داخل عالم الآخر ، غير منفصل أو بمعزل عنه ، هذا لن يفيده هو وحده بل سيفيدك ، لأنك – وبدون شعورر منك – ستتحولين إلى ام عاشت خبرات السنين الطويلة ، ومع ذلك شابة متعايشة مع العصر .

شاهد أيضاً

الطلبات المرهقة لأبنتي المراهقة (2)

ثالثاً : تلبية الطلبات : والآن نحن أمام مشكلة تلبية طلبات الابن أو البنت عموماً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!