حضور الطفل في حياة الزوجين

حضور الطفل يغير حياة الزوجين أكثر مما فعل الزواج نفسه . فهو يدخل تعديلا جوهريا على نظرة كل من الشريكين إلى ذاته وإلى العالم من حوله . ذلك أن اضطلاع كل منهما بدوره يعزز ارتباط الأنوثة بالأمومة ، مثلما يعزز ارتباط الذكورة بالأبوة . وهكذا يكتشف الزوجان معا أسلوبا جديدا لتحقيق الذات ولكن هذا الطريق محفوف بالبهجة والرضا .

موقف الأب

بالعقبات والمحن بمقدار ما هو عامر موقف الأم غالباً ما يجد الأب نفسه مفتوناً بطفله على نحو لم يكن ليتوقعه . وهذا الكائن الجديد ، الذي يتغير يوما بعد يوم ، سيغدو مركز اهتمام الأب ، فنراه يقبل عليه ببهجة غامرة : يتعلم كيف يحمله ويحمّمه ، ويأخذ فى ملاطفته ومداعبته ، كما يحاول التواصل معه بكل أنواع الزقزقة . إلى ذلك يراقب الأب يومياً تحولات الطفل وكيف تتأكد خصائصه المميزة : حركاته اللطيفة ، نظراته اليقظة ، استجاباته للاصوات ، وردود فعله غير المتوقعة … كل ذلك يجعل الأب قادراً على تمييز طفله من بين سائر الأطفال.

هكذا يجد الأب نفسه منشغلاً بمهمة جديدة لم يتهيأ لها من قبل . ويتضاعف اهتمامه بمقدار ما يكون قد عاش آلام الأم أثناء المخاض ، لا سيما إذا كان قد شهد عملية الولادة . غير أن لهذه القاعدة استثناءات كثيرة . فهناك رجال يركزون كل اهتمامهم على الطفل إلى درجة تبعدهم عن الزوجة – الأم ، غير متنبهين إلى أن العلاقة الأسرية الجديدة قد أصبحت شراكة مثلثة .

موقف الأم

تنجح المرأة في دورها الجديد إذا كانت طوال مدة الحمل تنتظر ولادة الطفل بفارغ الصبر لكي تصبح أماً ، وإذا كان الحمل قوّى علاقتها الجنسية والعاطفية بزوجها . ومما لا شك فيه أن معجزة الولادة تُشعر المرأة بغبطة عميقة تساعدها على النجاح في دورها .

بالرغم من استعداد الأم ورغبتها في القيام بدورها ، إلا أن الواجبات المتلاحقة بلا انقطاع حيال الطفل تستأثر بكل طاقتها ، وتدخل نوعاً من الشعور بالحرمان في حياتها اليومية . وسرعان ما تشعر بالذنب إذا ما بدا لها أنها مقصرة بحق طفلها ، ويستولي عليها قلق شديد إذا ما مرض الطفل ، فتحتاج إلى دعم الزوج ووقوفه إلى جانبها .

نادراً ما تستطيع المرأة ، لا سيما الأم الشابة ، أن تتفادى هذا النوع من الحرمان المرافق لظروف الأمومة وإكراهاتها . في المقابل ليس في استطاعة جميع الرجال تقدير حجم التضحيات التي تبذلها الأم . فمنذ اليوم الأول الولادة يستحوذ الطفل على كل وقت الأم واهتماماتها . إنه يقف حائلاً دون طموحاتها المهنية مثلما يعترض علاقتها الزوجية . وبسبب وجود الطفل قد تشعر المرأة بأن رغبتها الجنسية قد همدت ، وربما اعتبرت هذا الطفل مسؤولا عن الخسارة التى لحقت بجمال جسدها . لذلك ليس مستغرباً أن نجد لدى بعض الأمهات شحنة من « العدائية » المضمرة تجاه طفلها تستخفي وراء مظاهر العناية والاهتمام .

إن القيام بدور الأمومة يشكل مصدراً لكثير من حالات الضغط النفسي الذي يطرأ على الحياة الزوجية . إن وجود الطفل في الأسرة من شأنه أن يقوّي المودّة والألفة بين الزوجين ، ولكنه قد يثير خلافات قديمة أو يخلق مشكلات جديدة .

الحقيقة أن الطفل لا يتطلب استنفاراً دائماً من قبل الأم ، وإنما يتطلب عناية مدروسة ومقداراً من المشاركة في عالمه الخاص . إن العناية المفرطة بالطفل والقلق الدائم على راحته وصحته يولد إحساساً بعدم الأمان لدى الزوجين والأسرة ، في حين أن توفير جو من الثقة والأمان هو الأكثر أهمية بالنسبة للطفل ، والثقة لا تعني القوانين الصارمة والتصلب . أهم ما يمكن أن يوفره الوالدان للطفل لكي يكتسب توازناً طبيعيا هو أن يشعر بالسعادة والرضا في حياتهما الزوجية والأسرية والمهنية .

هناك عوامل متعددة من شأنها أن تساهم في جعل مرحلة ما بعد الولادة مرحلة صعبة وحرجة على صعيد العلاقة بين الزوجين :

1– العوامل الفيزيولوجية :

يستأنف الزوجان علاقتهما الجنسية على نحو بطيء ، وذلك لأسباب مختلفة هي التالية :

–  تكون العلاقة الجنسية مؤلمة بعض الشيء للمرأة ، بسبب الجرح الذي أحدثه الطبيب في منطقة العجان أبناء الولادة . وهذا الأمر يمكن معالجته باتباع بعض النصائح الحكيمة .

– بعد الولادة ترتخي عضلات العجان ويمكن معالجة هذا الأمر بتمارين خاصة ، أشهرها تمرين « وقف التبوّل (1) . Pipistop  .

– اضطراب إفرازات الغدد الصماء بعد الولادة . ( والغدد الصماء Endocrines هي تلك التي تصب إفرازاتها في الدم مباشرة ، الدرقية مثل الغدد والكظرية والبنكرياس . . . ) .

– اكتئاب ما بعد الولادة blues ، Baby وهي حالة تنتاب المرأة على أثر الولادة وتتبدد تدريجيا .

– ليس مستغرباً انخفاض الرغبة الجنسية لدى المرأة بعد الولادة ، ولا سيما المرأة المرضعة . ولكن الأمور تعود إلى طبيعتها في غضون أسابيع.

 

 

2 – العوامل الشخصية :

تلعب العوامل الشخصية ، أكانت متعلقة بشخصية الأم أو الأب ، دوراً مهما في هذه المرحلة ؛ وهي : – كيفية تعامل المرأة مع التغيرات التي تطرأ على جسدها بعد الولادة : تشققات جلدية ، سمنة .. شعور المرأة بأن جسدها قد أصبح « فارغاً ، بعدما كان الطفل يملأ أحشاءها على مدى تسعة أشهر . – التماهي الشديد الذي يمكن أن ينشأ بين أحد الوالدين والطفل الرضيع إن صورة الطفل المتروك وحيداً في سريره بينما ينشغل عنه والداه بعلاقتهما الحميمة قد تذكر أحد الزوجين بالغيرة التى كان يشعر بها حين كان والداه يتركانه ليعيشا لحظات حميمة .

– استحواذ الطفل على اهتمام الأم وعنايتها من شأنه أن يولد لدى الزوج إحساسا بالغير .

3– حيوية العلاقة الزوجية :

إن موضوع الحيوية في العلاقة الزوجية يشكل أحد أسباب الخلافات الرئيسية بين الزوجين فى هذه المرحلة . لقد تغيرت صورة المرأة في عيني زوجها : الحبيبة أصبحت أماً . وقد يطغى هذا الدور على حياة المرأة بحيث تستبعد الوجوه الأخرى من أنوثتها . هنا ينبغي على الزوجين الشابين أن يتحليا بشيء من النضج ، لأن العلاقة لم تعد مقتصرة على شخصين بل أصبحت قائمة على ثلاثة . كذلك عليهما عدم تفويت أي فرصة للاختلاء الحميم بغية إرضاء حاجاتهما والانفراد ببعضهما البعض.

4 –  العوامل الاجتماعية – الثقافية :

إن ولادة الطفل تدخل تعديلات على حياة الزوجين اللذين يتقاسمان الأعمال المنزلية ، فتحوّله إلى ثنائي تقليدي تقوم فيه المرأة بتحمل جميع الأعباء المنزلية أو معظمها . فحتى النساء الأكثر تحرراً ، يملن لا شعورياً إلى الاقتداء بأمهاتهن ، أي النهوض بأعباء الطفل والأعمال المنزلية . في مثل هذه الحال تجد المرأة نفسها مضغوطة بين واجباتها كأم وربة منزل وبين أعباء المهنة مما يدفعها الشعور بالذنب . لذلك تتخلى المرأة أحياناً عن عملها وتتفرّغ للمنزل . غير أن مثل هذا القرار لا يمر من دون أن يترك في نفسها شيئاً من الإحساس بالغبن ، ينعكس عليها وعلى علاقتها بزوجها وطفلها .

مواجهة هذه المشكلات

بإمكان الطبيب تحذير الزوجين الشابين من مغبة الخلط بين دورين : دور الوالد ( الوالدة ) ودور الزوج ( الزوجة ) . ومن الناحية العملية يجب ألا يتوانى الزوجان عن إغناء علاقاتهما الاجتماعية والبحث عن نشاطات مشتركة ذلك أن الحمل والولادة وما يليهما من تطورات تشكل إحدى المراحل الأكثر صعوبة في الحياة .

إن معظم الأشخاص الراشدين الناضجين يتأثرون – عن حق – بالإيجابيات التي يدخلها الطفل إلى حياتهم أكثر مما يتأثرون بالأعباء المترتبة على هذا الحدث . فهذه الأعباء والصعوبات لا توفر أي زوجين شابين ، حتى مع استعدادهما المسبق لهذا الأمر . ففي لحظات من الضيق والغضب قد تراودهما فكرة الانفصال . وفي هذا الوضع ينبغي أن يتحلى الزوجان بالإرادة الضرورية ليقيما حوارا مثمرا ويتقاسما الاعباء المتعبة .

إذا نظرنا إلى هذه المسألة نفسها من ناحية الرجل نجده يستعيد ذكريات طفولته ليعلم ما عليه أن يفعله كأب . الضغوطات العائلية تضايقه وتشوّش جدول أعماله فيقترح على زوجته التوقف عن العمل ، لكن مهما كان قرارها تكون المرأة قد وقعت في فخ . قد تخالف رغبة زوجها فتقرّر بذل المزيد من الجهد في عملها وقد ترضخ فتترك عملها حرصاً منها على استمرار العلاقة الزوجية . . . وفي الحالتين تشوب علاقتها بزوجها مشاعر متناقضة فتشعر من ناحية أولى أنها تقوم بتضحية كبيرة ، وينتابها نحو زوجها شعور بالعدائية لأنه سبب ما هي فيه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي أن تقوم المرأة بشذ وإرخاء عضلات العجان كما تفعل حين تريد حبس البول أو منع التغوّط بذلك تمرّن هذه العضلات وتعيد إليها تدريجياً انقباضها وقوتها . ومعلوم أن هذه العضلات تقوم بدور هام فى توفير اللذة الجنسية أثناء المجامعة .

شاهد أيضاً

الدورة الشهرية (2) : المرحلة البروجسترونية والحيض والتلقيح وتعيشيش البويضة

في منتصف الدورة الشهرية يحدث أحد أمرين: إما أن تتلقح البويضة، وهنا يبدأ الحمل، وإما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!