مرحلة سن الأربعين

في سن الأربعين يقف الإنسان عند مفترق أجيال ثلاثة ، وينقل بصره وتفكيره على ثلاثة عهود الماضي والحاضر والمستقبل . مثله كمثل بهلوان يسير على حبل مشدود بين ضفتي الشباب والشيخوخة . جردة حساب

في هذه المرحلة يخشى الشخص تراجع أدائه على جميع الصعد فيتساءل : هل نجح على الصعيد المهني ، والجنسي ، والعائلي ، وعلى صعيد تحقيق الذات ؟ إن معظم الأشخاص في هذه المرحلة يعرفون مواهبهم وقدراتهم الذاتية ، ولكن مقياس النجاح أو الفشل لا يتعلق بمجال العمل وحده بل يشمل جوانب حياة الشخص كلها ، فتأتي المحصلة العامة لجردة الحساب إما سلبية مُخبطة أو إيجابية مشجعة ومُزضية .

 الخصائص الثلاث المميزة لمنعطف الأربعين

– الإحساس بالارتهان لمصير محدّد ، الذي يتجلى في أعمال ينبغي أن يقوم بها والتزامات مهنية ، وروابط عائلية ، وخيارات شخصية . غالبا ما يشعر الزوجان في هذه المرحلة أنهما يعيشان في حجرة زجاجية خانقة .

– إحساس بالخيبة جراء مرور الزمن بسرعة ورتابة الحياة اليومية ، وشعور بالانزلاق المحتوم نحو الشيخوخة . هذا الشعور يؤدي عادة إلى الاكتئاب ، ولكنه يثير لدى البعض رغبة عارمة في الخلق والإبداع كنوع من التعويض.

– إحساس باللاجدوى ، يدفع كثيرين إلى مضاعفة الجهد كي يمنحوا تهم معنى مميزا .

من هنا نلاحظ نمطين مختلفين من الناس فى مواجهة أزمة الأربعين : فهى بالنسبة للبعض مناسبة للتجدد وتفجير الطاقات الكامنة . وهي بالنسبة لآخرين مناسبة لإدراك إفلاسهم في الحياة مما يدفعهم إلى الاكتتاب والسوداوية .

الاكتئاب الناجم عن الشعور بالإفلاس

بالرغم من كون سن الأربعين زهرة العمر ، إلا أنها تمثل أول مواجهة حقيقية مع فكرة الموت . تدفع هذه الأزمة إلى إعادة النظر بحالة الاكتئاب للتوصل من خلال هذا إلى تقبل بناء لحقيقة الموت . وتتطلب إعادة النظر إلى ما توصل إليه الشخص حتى الآن بشكل موضوعي بعيدا عن أي انفعال شخصي وكأنه يقوم حياة شخص آخر . وغالباً ما يتخفى الاكتئاب بعدة أشكال مرضية منها :

– الحزن المتمادي الذي يصل إلى حدّ التخاذل ، فيمضي الشخص أيامه فى ياس وسوداوية .

– الحنين إلى الماضي.

– التراجع عن أي عمل قبل الشروع فيه لأن الشخص يتوقع الفشل مسبقاً ، الأمر الذي يشعره بعدم قيمته وينتهي به إلى التزام موقف سلبي قدري .

– اضطرابات سوداوية يرافقها إحباط واكتئاب .

– إمكانية ظهور بعض الاضطرابات الجنسية .

ثلاث مهمات رئيسية لمرحلة الأربعين

– إعادة تقويم الماضي

ما يدعو إلى إعادة التقويم في هذه المرحلة هو إحساس الشخص بالضعف ( الهشاشة ) وانتباهه إلى حتمية الموت . في الوقت عينه يشعر بالحاجة إلى أن تكون أيامه الباقية أكثر امتلاة وسعادة وحكمة . وهذا ما يشكل مرحلة مراهقة جليلة ، الماضي والمستقبل يتعايشان جنبا إلى الحاضر ، ويدرك الشخص أنهما يستطيعان أن يتداخلا .

هذه المراجعة تفترض القيام بمهمة أساسية ، هي مغادرة الذهنية الخيالية السحرية الموروثة من مرحلة الطفولة ، والتحلي بذهنية أكثر واقعية وعملية وأكثر

انفعالاً بالحياة كما هي . ولكن ألا يعتبر التخلي عن البراءة والأوهام تخلياً عن الحماسة والاندفاع ؟ الأوهام خطرة بلا شك ، ولكنها قد تشكل حافزاً لإنجازات كبيرة .

 تعديل هيكلية الحياة

في مرحلة الأربعينيات من العمر تطرأ على حياة بعض الأشخاص تغيرات أو انقلابات كبرى : طلاق ، زواج جديد ، تغير في أسلوب العيش ، ازدياد القدرات الإنتاجية والإبداعية ، أو ارتقاء فى السلم الاجتماعي . . . هذه التغيرات هى من بين الأمور الأكثر بروزاً في مجرى الحياة الشخصية . وهناك أمور أخرى أكثر دقة وخفاء ، ولكنها لا تقل عنها أهمية : يكبر الأولاد فيمثلون ثمرة الحياة الزوجية بين الأبوين ، كما يمثلون في الوقت عينه شاهداً على نجاح أو فشل تلك التجربة الزوجية . إلى ذلك يشعر الأهل أن الفرصة التي أتيحت لهم للمساهمة في تكوين وتشكيل شخصية أبنائهم قد انقضت ، ولن تعود مرة أخرى . إن سلطتهم على الأولاد تضعف يوماً بعد يوم ، وبسرعة كبيرة .

حل التناقضات الداخلية فى ذات الشخص

يتمنى ابن الاربعين لو يستطيع إحداث تغيير على صعيد علاقته بذاته وعلاقته بالعالم الخارجي . وتبدو أزمة الأربعين بمثابة الفرصة الأخيرة لحل التناقضات داخل الذات :

– تجاوز القوالب أو النماذج المثالية لمفهومى الشباب والشيخوخة .

– التوفيق بين نزعتين : العدائية حيال الآخرين ، والميل إلى الذوبان الكامل.

– توفير مساحات من الحرية حتى لو كان برنامج العمل اليومي ضاغطاً .

– تقبل فكرة الموت والحياة بعد في أوجها .

القدرة على تجاوز الصراع القائم بين الرغبة الدائمة في الإنتاج والإبداع من جهة ، وبين الميل إلى الراحة . إنه صراع بين الإبداع والتخريب ، بين البناء التحوّل عن مبدأ المنافسة والتزاحم في سبيل السيطرة على العالم الخارجي ، وإعطاء الأولوية للحياة الداخلية أخيراً ، إجراء مصالحة داخل الذات بين مكوناتها الذكورية والأنثوية تختلف مواجهة مرحلة الأربعين من رجل إلى آخر . بعض الرجال يظهرون ثباتاً ورصانة خلال هذه المرحلة ، فلا تظهر آثارها إلا في مراحل لاحقة ، وقد لا تظهر أبداً . وفي مثل هذه الحال يخشى أحياناً من أن يفقد الشخص صلته بذاته . بالنسبة لآخرين تمثل مرحلة الأربعين ا انعطافاً هادئاً أكثر مما تمثل أزمة . بالنسبة لثمانين بالمائة من الرجال ، يمثل هذا الفصل من حياتهم مرحلة كفاح وصراعات محتدمة . من هنا نفهم كيف يتسلل الاكتئاب في كثير من الأحيان إلى نفس الرجل . إنه يتسلل من خلال كآبة الحاضر ، والحنين إلى الحاضي ، والتخلي عن المشروعات المستقبلية . الواقع أن مراجعة الذات تشكل عنصراً من أكثر العناصر صحة وإيجابية في شخصية الإنسان . كذلك يعتبر الشك والتساؤل والسعي إلى تغيير نمط الحياة أمراً مشروعا .

المرأة في سن الأربعين

على الصعيد الفيزيولوجي تكون المرأة في سن الأربعين في ذروة تطلبها الجنسي ، وربما تشتكي من تقصير زوجها على هذا الصعيد . من جهة أخرى تعيد المرأة اكتشاف بعض الجوانب المكبوتة في شخصيتها . إنه الوقت المناسب لتكون أكثر صراحة وانفتاحاً مع زوجها . وفى هذه المرحلة أيضاً قد تستأنف نشاطها العملي والمهني ، فيزيد احتكاكها بالعالم الخارجي ، مما يجعلها أكثر تطلباً.

افة الزواج

في الأربعين يشعر الرجل بالاختناق داخل قوقعة الزواج ، كما تشعر المرأة بالضجر من شريك ضعيف المخيلة . إنها مرحلة حرجة من شأنها أن تؤدي إلى وهن العلاقة الزوجية في ظل رتابة الحياة اليومية . من هنا الحاجة الماسة إلى الابتكار والتفكير الجدّي فى ما من شأنه أن يعيد الحيوية إلى هذه العلاقة . تجديد عقد الزوجية

إن التآكل الذي يصيب العلاقة جراء رتابة الحياة اليومية ، والتبدل الذي يطرأ على الرغبة الجنسية ، من شأنهما أن يجعلا عش الزوجية ساحة حرب . هذه الآفة تؤدي غالباً إلى إعادة النظر ، ضمناً أو علناً ، في عقد الزواج من أساسه . من الناحية العملية تمر العلاقة الزوجية في هذه المرحلة بأزمتين متتابعتين :

– تنفجر الأزمة الأولى حوالى سن 36 – 37 سنة . تحدث هذه الأزمة لدى الرجل والمرأة على السواء ، حيث يعيد كل منهما النظر في أساس الرابطة الزوجية ، معتبراً الطرف الآخر مسؤولاً عما أصاب العلاقة من خلل أو وهن .

– الأزمة التالية تنفجر في سن .40 -41 سنة ، يكون موضوعها التشكيك بالذات لا بالآخر.

من هنا ضرورة الإقدام على حوار صادق وصريح لتجديد عقد الزوجية ، على أسس واضحة من شأنها إنعاش العلاقة مع توفير مساحات الحرية بعض الأزواج والزوجات يتركون الوضع على ما هو عليه ، فيما يستطيع آخرون تجديد العقد على أسس جديدة لا تخلو من واقعية وابتكار

والحقيقة أن هذه الأسس الجديدة متنوعة بمقدار تنوع الأزواج . ليس هناك وصفة سحرية محددة ، وإنما يعتمد الأمر على مرونة التفكير والقدرة على التسامح ، مثلما يعتمد على نظام القيم .

شاهد أيضاً

الدورة الشهرية (2) : المرحلة البروجسترونية والحيض والتلقيح وتعيشيش البويضة

في منتصف الدورة الشهرية يحدث أحد أمرين: إما أن تتلقح البويضة، وهنا يبدأ الحمل، وإما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!